ابن قيم الجوزية

177

البدائع في علوم القرآن

فصل في الفوائد والحكم من ضرب الأمثال كم في القرآن من مثل عقلي وحسي ينبه به العقول على حسن ما أمر به ، وقبح ما نهى عنه . فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ، ولكان إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي ، دون ضرب الأمثال ، وتبين جهة القبح المشهودة بالحسّ والعقل . والقرآن مملوء بهذا لمن تدبره ، كقوله تعالى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) [ الروم ] يحتج - سبحانه - عليهم بما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له ، فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ، ولا يرضى بذلك ، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي ؟ وهذا يبين أن قبح عبادة غير اللّه تعالى مستقر في العقول والفطر ، والسمح نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك . وكذلك قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) [ الزمر ] احتج سبحانه على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون سيئو الملكة ، وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له ، فهل يصح في العقول استواء حال العبدين ؟ فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإلهه الحق ، لا يستويان . وكذل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 264 ) [ البقرة ] ممثلا لقبح الرياء المبطل للعمل ، والمن والأذى المبطل للصدقات ب « صفوان » وهو الحجر الأملس عليه تراب : غبار قد لصق به ، فأصابه مطر شديد فأزال ما عليه من التراب « فتركه صلدا » : أملس لا شيء عليه . وهذا المثل في غاية المطابقة لمن فهمه . ف « الصفوان » وهو الحجر . كقلب المرائي والمانّ والمؤذي . و « التراب » الذي لصق به ما تعلق به من أثر عمله وصدقته . و « الوابل » : المطر الذي به حياة الأرض . فإذا صادفها لينة قابلة : نبت فيها الكلأ ، وإذا صادف الصخور والحجارة الصم : لم ينبت فيها شيئا ، فجاء هذا الوابل إلى التراب الذي على الحجر ، فصادفه رقيقا ، فأزاله ، فأفضى إلى حجر غير قابل للنبات .